• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss

سياسة مصر المائية

سياسة مصر المائية
عبد المنعم سعيد

لا توجد، ولا ينبغى أن توجد، لدى مصر سياسة مائية تقتصر على نهر النيل، لأن الحقيقة المُرة، التى لا تخص فقط المياه، هى أن الزيادة السكانية فى البلاد قد حوّلتنا من بلد فائض مائى إلى بلد فقر مائى. معالجة هذه الحقيقة المُرة لا تكون بالحفاظ على ما لدينا الآن فقط، وإنما فى العمل على زيادته بتنمية موارد مائية إضافية تعود بنا إلى ما كنا عليه. ولحسن الحظ أن هناك إدراكا كاملا لدى الحكومة لهذه الحقائق، ولذلك فإن هناك جهدا محمودا يجرى الآن، وينتج- أو فى طريقه إلى إنتاج- إضافات للقدرات المائية المصرية، من خلال تحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه الحالية، بعد تنقيتها بوسائل متعددة. كل ذلك يكفى بالكاد لكى نحافظ على مستوى الفقر الحالى، ولكنه يشكل بداية لاستخدام التكنولوجيا والاستثمارات المائية، بحيث تسهم فى عمليات التنمية الشاملة المصرية، كما أنه يدفعنا لكى نعض بالنواجذ على ما لدينا بالفعل، وما هو حق لنا بحكم التاريخ والقانون الدولى للأنهار. لا أريد استعادة نقاشات وكتابات وحوارات جارية فى مصر الآن، وكلها تصب عند النقطة التى تقطع باستحالة التوصل إلى حل مع إثيوبيا، والآن ومعها السودان، ومن ثَمَّ، فإن النتيجة هى أنه متى ننتقل من الدبلوماسية والسياسة إلى «استراتيجيات أخرى!» لا يبدو هناك بديل لها؟


والحقيقة هى أنه لا توجد حاجة لدى أى دولة أن تتحدث عن «استراتيجيات أخرى»، لأنها موجودة طوال الوقت دون حديث ولا إعلانات تليفزيونية، ولكننا فى نفس الوقت لا نستطيع الحديث عنها، بينما هدفنا الاستراتيجى الأول هو بناء مصر من جديد، من خلال تنمية مستمرة ومستدامة ومتسارعة. ولأنه من البديهى أنه لا تنمية بدون مياه، ولا كهرباء بالطبع، فإن القضايا الكبرى تبدو متداخلة بأكثر مما يقدر الكثيرون، وفى بعض الأحيان علينا أن نتعلم كيف نكظم الغيظ، ونعض على الأسنان، ونعرف دائما أنه لكل مقام مقال، ولكل حادث حديث. وبينما نستمر، وبقدرات أكبر وأسرع، فى تنمية مواردنا المائية، سواء كان من خلال إنتاج المزيد من المياه، أو الدخول فى عملية وطنية واسعة لتوفير المياه، سواء كان ذلك باستخدام وسائل حديثة للرى أو فى المياه المستخدمة فى المنازل. ومع كل هذا، فإن مصر لا يمكنها الاستغناء عن قطرة مياه واحدة من 55 مليار متر مكعب تأتى من مياه النيل، وتمثل حقوقها المشروعة، التى تواصت عليها مع دول حوض النيل، خاصة إثيوبيا والسودان. وآخر الوثائق المعتمدة فى هذا الشأن هى إعلان المبادئ بين الدول الثلاث، والذى لا يخل بحق دول الحوض فى تنمية نفسها من خلال مشروعات نيلية، وفى نفس الوقت فإنه يقرر أنه لا ينبغى لهذه المشروعات أن تسبب ضررا لأى من دوله.
الحقيقة الأساسية الآن بيننا وبين إثيوبيا ليست بناء سد النهضة، ولا أنه من حق إثيوبيا- وهى من أفقر دول العالم- أن تنهض وأن تنمو، وهى بالفعل، كما هو الحال فى مصر تسعى فى هذا الاتجاه، ولكن المسألة الواضحة لنا، والتى يشير فى اتجاهها أول التقارير «الاستهلالية» الفنية هى أن السد يمكنه أن يسبب ضررا لمصر أثناء فترة ملء الخزان، يتزايد كلما قصرت المدة الزمنية لذلك. هنا يكون تحديد القضية، التى لا ينبغى تضخيمها لكى تعبر عن عداوة تاريخية، أو مؤامرة على مصر تتداخل فيها أطراف أخرى، أو أنها تؤدى إلى قطع مياه النيل كلية عن مصر، ولا ينبغى التهوين منها لكى تغرى إثيوبيا بأنه يمكن التنازل عن نصيبنا الحالى فيها. وزن الأمور دبلوماسيا وسياسيا مع الوسائل الأخرى هو تقدير متروك لمَن يعرف ويقدر فى إطار الاستراتيجية العامة للبلاد، وأمامنا طرق كثيرة تبدأ من استمرار التفاوض على حلول مقبولة لنا، أو اللجوء إلى مجلس الأمن، لأن القضية قد باتت بالفعل تهدد الأمن والسلم الدوليين!
*نقلا عن "المصري اليوم".

كلمات دالّة:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها