• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss

التيار الحازمي المنشق يرسم طريقا بديلا لتنظيم داعش

التيار الحازمي المنشق يرسم طريقا بديلا لتنظيم داعش

ان لايت برس - وكالات - 


 يكسب داعش معاركه بسرعة كبيرة حين يكون في وضع الهجوم. هذا ما أثبته واقع قتال التنظيم خلال السنوات الثلاث الماضية. كما أثبتت الوقائع أن التنظيم ينهزم بصعوبة في وضع الدفاع، إن لم يهرب بشكل منظم، بطريقته، وبغموض موقف مهاجميه، بل وبما يختزنه منظروه الجدد من طاقات التشدد المعارضة حتى لوحشية قادته الحاليين.


المثال الوحيد الذي شذَّ عن هذا الحكم هو معركة تل أبيض، حيث فاجأ انسحاب التنظيم "المنظَّم" من المدينة كل المراقبين في يونيو 2015، دون أي قتال، خاصة بعد استشراسه في الدفاع عن "عين العرب – كوباني" قبل شهور من ذلك. وإلى حد ما، يُقارن ذلك بانسحابه دون قتال من جرابلس أمام فصائل من الجيش الحر مدعومة بطيران تركيا ومدافعها.


سوى ذلك، يمسك داعش بمنبج والموصل والآن بالرقة، وسيحاول التمسك بدير الزور دون نتيجة عسكرية. كل ذلك قبل نضوج صفقة غامضة يهرب فيها التنظيم أو ينسحب دون قتلى أو أسرى في كل مرة.


أما أكبر ألغاز داعش فكانت تدمر التي تبقى سرا في ذمة الصندوق الأسود للنظام السوري، وربما روسيا في المرة الثالثة، حيث تبادل الطرفان السيطرة عليها مرتين دون تدمير يذكر في المدينة، على الأقل مقارنة بدمار الموصل والرقة، وما يمكن أن يحدث في دير الزور من دمار.


بالطبع، هذه الملحوظات تؤشر على نظرية المؤامرة، دون أن تثبتها، كون الوقائع تدل على أن التنظيم ينفذ دورا وظيفيا مرسوما له، مع توخي توفير قدر معتبر من عناصر الإقناع أن داعش تنظيم مستقل، وأنه يطمح إلى استمرار “دولته الإسلامية” بالعلم والعملة والإعلام وسيف القصاص، لكن دون حدود ثابتة لـ“الدولة” التي أسسها في سوريا والعراق في أوج تمددها في خريف 2014.


وبعد انفضاض معركة السيطرة على الموصل وتدمير 80 في المئة من المدينة، حسب إعلام المهاجمين، بدا أن التنظيم في غاية الضعف، خاصة أن معركة تلعفر ما كادت تبدأ حتى انتهت. لكن القتال للسيطرة على الرقة أكمل شهره الرابع دون سقف زمني مؤكد لنهايته، ودمار لا يمكن معرفة حجمه قبل التأكد من صحة توقعات قادة “قوات سوريا الديمقراطية” أنهم يحتاجون شهرا آخر لـتطهير المدينة من داعش.


تطرف داعش الحالي يبدو اعتدالا بالمقارنة مع التطرف القادم الطليق و"الواعد" بكوارث أكبر في مستقبل غير بعيد


من الموصل، لم يخرج التنظيم أكثر ضعفا، أو لنقل إننا غير متأكدين من ذلك. وعلى الأرجح أنه لن يكون ضعيفا أيضا بعد معركة الرقة، إلا إذا كان دمار الموصل والرقة هو دليلنا على ذلك. المؤشر على ذلك هو استعادته زمام المبادرة بعد ترويج النظام السوري لهجومه في اتجاه دير الزور، وعبور قواته والميليشيات الداعمة إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات.


والآن، تنال صواريخ التنظيم من مدينة السلمية، بينما تجري معارك في داخل مدينة القريتين بهدف السيطرة عليها. هنا، نستبعد أن يستقر التنظيم في القريتين، فما يهمه هو قطع طريق دمشق دير الزور، أو استمرار تهديده لقوافل قوات النظام، وربما مهاجمة تدمر، على الأقل لمحاولة مشاغلة النظام وحلفائه لإبعاده عن دير الزور، وليس التمسك بمدينة طرفية مثل القريتين كونها لا تشكل تعويضا عن الموصل أو الرقة.


ففي هذه المرحلة التي قد تطول، استوعب داعش استحالة سيطرته على مدينة أخرى وتمسكه بها، فالرقة ستسقط في يد “قوات سوريا الديمقراطية” بعد وقت لن يطول. وكذلك الأمر بالنسبة لدير الزور والميادين والبوكمال. وبالتزامن مع ذلك ستكون القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي قد سيطرت على ما تبقى من مدن وبلدات لا يزال داعش يسيطر عليها في غرب العراق.


أمام هذه القراءة التي يدركها داعش قبل أن ندركها نحن، لن يكون في يد التنظيم سوى خوض معارك الكر والفر في سوريا، وتحديدا في بادية حمص وتدمر وفي جنوب درعا. فحلب وشرقها وإدلب والقلمون أصبحت خالية من أي وجود منظم وظاهر للتنظيم، بينما تتجاور قوات النظام وميليشياته مع داعش في دمشق العاصمة، ويتناوبان على مهاجمة فصائل إسلامية معارضة وفصائل الجيش الحر، دون أن يصطدما معا في معركة واحدة.


لكن، ما فائدة معارك الكر والفر، في ظل إدراك داعش التام أن عهد السيطرة على المدن قد انقضى، خاصة أن ابتعاده عن تغطية الطيران الروسي يضعه في مرمى طيران التحالف، والعكس بالعكس، باتفاق أو من غير اتفاق بين الكابتن الروسي والكابتن الأميركي.


هنا، لا بد من التذكير أن داعش ليس واحدا كما يعتقد بعضنا، حتى لو كان الخليفة البغدادي خليفة واحدا ورأسا واحدا للتنظيم. ففي بدايات معركة الرقة، وهي مجرد استعراض لقوة الطائرات والمدافع فقط، راجت إشاعة لها نصيب من الشك بين الحقيقة والخيال تقول إن من بقي في الرقة من عناصر داعش رفضوا أوامر الانسحاب، وخاصة المهاجرون منهم، وفضلوا الدفاع عن المدينة حتى الموت رغم معرفتهم المسبقة بنتيجة المعركة.


ما دام داعش يخرج من كل معاركه دون جثة أو رماد جثة، فهو يفوز بالهروب على الأقل، ويستمر، حتى لو "يتمدد" على الأرض


لعل هؤلاء هم "الحازميون" أو أتباع منظري داعش وشرعييه الجدد الذين بدأوا يرسمون طريقا بديلة للتنظيم أو لتنظيم جديد أكثر تشددا، بتهيئة كوادر شرعية أكثر تشددا من الجيل المؤسس للتنظيم. فمنذ منتصف 2014، نظَّر أحمد بن عمر الحازمي لتيار داخل التنظيم أخذ اسم "جناح الحازميين" بين عناصر داعش الأكثر تشددا، ووصف هذا التيار قادة داعش آنذاك وشرعييه، بـ"المرجئة" و"الجهميين"، وكفَّر التيار كل من يحتج بـ"العذر بالجهل" و"المعين" و"العامي"، بل وتكفير من لم يكفرهم.


أما في ما يتعلق بالمستوى التنظيمي والعسكري لهذا التيار، فأسرار ذلك في ذمة المستقبل إذا كان التيار التنظيم الجديد ظاهرة مستقلة مثله مثل سلفه، أو في ذمة صانعي التنظيم الجديد – القديم إذا شئنا الميل إلى نظرية المؤامرة في الحالتين.


وفي التنظيمات والحركات الإسلامية الأصولية شبه العلنية، قرأنا عن مراجعات تنحو إلى التخفيف من الغلو والتطرف تجاه السلطات القائمة في أكثر من بلد عربي، في محاولة لفتح باب النقاش وامتصاص نقمة السلطات التي يميل ميزان القوة لصالحها بشدة. حدث هذا في حالتي “جماعة المسلمين” أو “التكفير والهجرة” كما عُرفت إعلاميا، وفي حالة "القاعدة".


وجرى ذلك في السجون المصرية والليبية واللبنانية، وتم إطلاق سراح قادة للجماعة بعد تلك المراجعات. كما حدث أن طبقت السعودية برنامج مناصحة للعائدين من أفغانستان ومن غوانتنامو، وحقق البرنامج نسبة جيدة من النجاح. أما في حالة داعش فالأمر معكوس، كون تطرف داعش الحالي يبدو اعتدالا بالمقارنة مع التطرف القادم الطليق والواعد بكوارث أكبر في مستقبل غير بعيد.


وفي النتيجة، وما دام داعش يخرج من كل معاركه دون جثة أو رماد جثة، فهو يفوز بالهروب على الأقل، ويستمر، حتى لو يتمدد على الأرض. والأكثر تشاؤما أن العناصر الموضوعية لاستمرار فكرة التنظيم، أيَّا تكن الفكرة، تزداد رسوخا، بدعم من الدكتاتوريات الممكِّنة للفقر والجهل، إلى المجتمع الدولي الداعم للدكتاتوريات، إلى المؤسسات الأممية التي تحولت إلى مجرد صندوق مالي شحيح لإغاثة الملهوفين الهاربين من الدكتاتوريات ومن داعش معا.


 


ــــــــــــــــــ


ر.ت